ابن رشد

64

تهافت التهافت

حركة ماضية غير متناهية ، وكانت هاهنا حركة أولى متناهية الطرف من جهة الابتداء . امتنع أن يوجد لها قبل ، إذ لو وجد لها قبل الحركة الأولى حركة أخرى . وهذه المعاندة هي ، كما قلنا خبيثة ، وهي من مواضع الإبدال المغلطة ، وإن كنت قرأت كتاب السفسطة ، وذلك هو الحكم للكم الذي لا وضع له ، ولا يوجد فيه كل ، وهو الزمان والحركة كحكم الكم الذي له وضع وكل وهو الجسم . وجعل امتناع عدم التناهي في الكم ذي الوضع ، دليلا على امتناعه في الكم الذي لا وضع له . وجعل فعل النفس في توهم الزيادة على ما كان يفرض بالفعل منهما ، من باب واحد . وذلك غلط بيّن ؛ فإن توهم الزيادة على العظم الموجود بالفعل . وإنه يجب أن ينتهي إلى عظم آخر ليس هو شيئا موجودا ، في جوهر العظم ولا في حده . وأما توهم القبلية والبعدية في الحركة المحدثة ، فشئ موجود في جوهرها . فإنه ليس يمكن أن تكون حركة محدثة إلا في زمان ، أعني أن يفضل الزمان على ابتدائها . وكذلك لا يمكن أن يتصور زمان له طرف ، ليس هو نهاية لزمان آخر ، إذ كان حد الآن أنه الشيء الذي هو نهاية للماضي ، ومبدأ للمستقبل ، لأن الآن هو الحاضر ، والحاضر هو وسط ضرورة بين الماضي والمستقبل . وتصور حاضر ليس قبله ماض هو محال . وليس الأمر كذلك في النقطة ، لأن النقطة نهاية الخط ، وتوجد معه ، لأن الخط ساكن ؛ فيمكن أن نتوهم نقطة هي مبدأ لخط ، وليست نهاية لآخر . و « الآن » ليس يمكن أن يوجد لا مع الزمان الماضي ، ولا مع المستقبل . وما لا يمكن فيه أن يكون قائما بذاته ، فليس يمكن أن يوجد قبل وجود المستقبل ، من غير أن يكون نهاية لزمان ماض . فسبب هذا الغلط تشبيه الآن بالنقطة . وبرهان أن كل حركة محدثة قبلها زمان ، أن كل حادث لا بد أن يكون معدوما ، وليس يمكن أن يكون في الآن الذي يصدق عليه أنه حادث معدوما . فبقي أن يصدق عليه أنه معدوم في آن آخر غير الآن الذي يصدق عليه فيه أنه وجد بين كل آنين زمان لا يلي آن آنا كما لا تلي نقطة نقطة . وقد تبين ذلك في العلوم . فإذن قبل الآن الذي حدثت فيه الحركة ، زمان ضرورة . لأنه متى تصورنا آنين في الوجود حدث بينهما زمان ولا بد . « فالفوق » لا يشبه « القبل »